عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

180

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه وإنما يصير إلى أربعة أذرع وشبر » « 1 » ، وإنما يرجع الأمر إلى الآخرة . أشار به النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : إن قناعة النفس على ما يكفيها من الطعام والثياب الضروري من الحرية عن رق عبودية الدنيا . اعلم أن الحرية من أعلى مقامات القرب للروح وهي فك الرقبة عن رق عبودية الكونين . قال اللّه تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) [ البلد : 11 - 13 ] يشير إلى أن اقتحامه عقبة المكونات في فك الرقبة عن رق عبوديتها وهي مقام العبدية مطلقا ولم يتمكن أحد في هذا المقام من الأنبياء والمرسلين إلا محمد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جميعا . والذي يدل عليه قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] فقد سماه اللّه تعالى العبد مطلقا وجعله كاسم العلم له ومن سماه العبد غيره سماه مقيدا كما قال : وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [ ص : 45 ] وقال : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ [ ص : 41 ] وقال : عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [ مريم : 2 ] فتحقق أن الحرية عن الأغيار مودعة في عبودية الملك الجبار . فمن ازدادت عبوديته ازدادت حريته فللنفس عبودية الدنيا . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميصة » « 2 » . فإمارة حريته عنها بأن يتساوى عنده أحجارها وأعراضها كما كان لحارثة : قال لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها « 3 » . وللقلب : عبودية الآخرة ، وإمارة الحرية عنه : الاستغناء عنها بالافتقار إلى اللّه تعالى . وللروح عبودية الدرجات والقربات والكرامات وإمارة حريته عنها : الإعراض عما سوى اللّه بالفناء فيه للبقاء به . وقال بشر الحافي : من أراد أن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين اللّه تعالى . وقال الحسين بن منصور : إذا استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حرا من تعب العبودية . فيترسم بالعبودية بلا عناء ولا كلفة . وذلك مقام الأنبياء والصديقين . يعني تصير العبودية مشربه ، ويستلذ بعذوبتها بدلا عن استمرار مشقتها .

--> ( 1 ) رواه ابن أبي سيبة في مصنفه ووقفه على أبي الدرداء ، حديث رقم ( 12051 ) [ ج 3 ص 53 ] . وروى حديثا آخر قريبا منه موقوفا على ابن عباس ، رقم ( 34552 ) [ ج 7 ص 106 ] . ( 2 ) رواه ابن أبي شيبة من كلام عبد اللّه بن مسعود ، حديث رقم ( 34552 ) . ( 3 ) رواه عبد بن حميد في مسنده عن الحارث بن مالك الأنصاري حديث رقم ( 445 ) [ ج 1 ص 165 ] ورواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 3367 ) [ ج 3 ص 266 ] ورواه غيرهما .